الفيض الكاشاني

109

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

وفي هذه الأخبار كفاية عن تطويل أبي حامد في هذا الباب مع ابتنائه على الأصول العامّيّة وعدم جزمه بالحكم في الأكثر واختلاف الحكم باختلاف الأزمان والأحوال ، وتفاوت درجات المكروهات الَّتي مال إليها بحسب الحسبة ممّا يجوز تحمّله وما لا يجوز وذلك في محلّ الاجتهاد والإنسان على نفسه بصيره . وقد روى أبو حامد عن عمر أنّه تسلَّق دار رجل ( 1 ) فرآه على حالة مكروهة فأنكر عليه ، فقال : يا أمير المؤمنين إن كنت قد عصيت اللَّه من وجه فأنت قد عصيته من ثلاثة أوجه ، فقال : ما هي ؟ فقال : قال اللَّه تعالى : « ولا تجسّسوا » وقد تجسّست ، وقال : « وأتوا البيوت من أبوابها » وقد تسوّرت من السطح ، وقال اللَّه تعالى : « لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتّى تستأنسوا وتسلَّموا على أهلها » وما سلَّمت فتركه عمر وشرط عليه التوبة » . أقول : وصاحب الدار كان أولى بأن يشترط التوبة على عمر لكثرة معاصيه بالنسبة إليه ، بل كان أولى بالإمارة منه لأنّه كان أعلم منه وأستر على معصيته منه وكان عمر إمّا جاهلا أو مجترئا هذا مع أنّ أبا حامد ربّما يستند في فتواه إلى قول عمر أو فعله وكان يعتقد فيه أنّه أفضل الصحابة بعد أبي بكر ويروي عنه هذه الرواية . وفي مصباح الشريعة ( 2 ) عن الصادق عليه السّلام أنّه قال : « من لم يتسلَّخ عن هواجسه ولم يتخلَّص من آفات نفسه وشهواتها ولم يهزم الشيطان ولم يدخل في كنف اللَّه وتوحيده وأمان عصمته لا يصلح له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنّه إذا لم يكن بهذه الصفة فكلَّما أظهر أمرا كان حجّة عليه ولا ينتفع الناس به قال اللَّه عزّ وجلّ : « أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم » ( 3 ) ويقال له : يا خائن أتطالب خلقي بما خنت به نفسك وأرخيت عنه عنانك ، روي أنّ أبا ثعلبة الأسدي سأل

--> ( 1 ) تسلق - من باب التفعل - الجدار : صعد عليه . ( 2 ) الباب الرابع والستين . ( 3 ) البقرة : 42 .